عمالة الأطفال.. آفة أم ظاهرة صحية..؟
مختصون يحذرون من انعكاسات الظاهرة على النشء الجديد ويعزون أسبابها إلى تردي الوضع الاقتصادي
أولياء الأمور يقرون أن عمالة الأطفال لها انعكاسات سلبية على أجيالنا لكنها تخلق منهم رجالاً
* حمتو:ـ الحصار دفع ببعض الأسر إلى زج أطفالها في سوق تحت وطأة الحاجة والفقر المدقع.
* عوض يدعو إلى سن قانون الضمان الاجتماعي لمساعدة رب الأسرة الذي فقد عمله.
تحقيق/محمد المدهون.
ألقى الوضع الاقتصادي المتردي بظلاله على كافة مناحي الحياة في قطاع غزة، ودفع انتشار البطالة بالأطفال في سن مبكرة للبحث عن العمل لإعالة أسرهم، فهذا يبيع المحارم على مفارق الطرقات، وآخر يبيع الدخان، وذاك يبيع الحلوى والبسكويت، وهناك من يعمل في الأنفاق المنتشرة ما بين قطاع غزة ومصر، أما الأطفال الذين يعملون في الورش والمصانع فقد تم تسريحهم بعد إغلاق هذه الورش والمصانع جراء الحصار وانعدام المواد الخام.. فهل تشكل عمالة الأطفال آفة أم أصبحت ظاهرة صحية في ظل الوضع الراهن ؟ وما هي انعكاسات هذه الظاهرة على النشء الجديد ؟ وما هي العوامل التي ساهمت في انتشارها ؟ وكيف يمكن الحد من هذا الانتشار لحماية أجيال المستقبل ؟.. "البيادر السياسي" تفتح ملف عمالة الأطفال وتناقش في التحقيق التالي مع المختصين هذه الظاهرة.
استجداء وتسول
في شارع عمر المختار بغزة وعلى مفارق الطرقات يقف أطفال في عمر الورود، يحملون في أيديهم علب البسكاويت والمحارم وأصناف متنوعة من المأكولات، يهرولون وراء السيارات ويشاورون للمارة، طالبين منهم باستجداء شراء بعض الشيء منهم كي يعينهم في متطلبات الحياة.. أسلوب أشبه بأسلوب المتسولين يستخدمه هؤلاء الأطفال لكسب استعطاف المارة ودفعهم للشراء منهم، فما الذي دفع بأطفالنا إلى هذه الحالة ؟ وهل لقمة العيش وقسوة الحياة هي التي سرقت طفولتهم البريئة ؟.. يقول محمد ابن الرابعة عشرة أنه ترك مقعد الدراسة مبكراً من أجل الالتحاق بسوق العمل، فبحث عن عمل يستطيع ممن خلاله الإنفاق على أسرته في ظل غياب الأب الذي توفاه الله قبل أربع سنين، فلم يجد.. المصانع مغلقة، والورش الصناعية والمنشآت التجارية جميعها في وضع لا تحسد عليه، عمالها الأصليون تم تسريحهم نتيجة عدم توفر المواد الخام بعد إغلاق المعابر، يضيف محمد الذي يرتدي ملابس قديمة ممزقة في أطرافها، وملبدة بالأوساخ جراء غبار الطريق، وحذاء مقطوع، أنه لم يجد أمامه سوى البيع في الطرقات، مهنة تكاد تكون من الأشغال الشاقة، جهد كبير ومردود ضئيل، حيث يخرج من بيته في وقت مبكر ويحمل في يده بعض العلب التي تحتوي على البسكويت، لبيعها للمارة، مشيراً إلى أن ما يجنيه من عائد في نهاية اليوم لا يساوي الجهد الذي يبذله.
هذا ولم يخف محمد ألمه لتركه مقعد الدراسة، فيقول كم كنت أتمنى أن أذهب إلى المدرسة أمثال أقراني من الأولاد ، حيث أشعر بالألم في داخلي عندما أراهم يلبسون ثيابهم المدرسية الجديدة، ويحملون حقائبهم ويذهبون إلى مدارسهم، وأتمنى أن أكون معهم ، إلا أن هذا يبقى في طور الأحلام والأماني.
ومن ناحيته يقول أحمد ابن الخامسة عشرة أنه لم يختر هذا الطريق، ولم يكن يفكر يوماً أنه سيعمل بائعاً للحلوى في الطرقات يستجدي المارة لشراء بعض الشيء منه، حيث كان طموحه كبير قد يفوق خيال أقرانه، مشيراً إلى أنه كان يطمح أن يصبح طبيباً يفيد وطنه ويخدم أبناء شعبه، لكن الرياح تأتي في بعض الأحيان بما لا تشتهيه السفن، حيث لجأ إلى هذا العمل جراء فقدان والده عمله، وهو أكبر أشقائه، مما اضطره للنزول إلى سوق العمل في سن مبكرة وترك الدراسة لمساعدة أسرته في توفير لقمة العيش، وتمنى أحمد أن يحقق حلمه، خاصة وأنه ترك الدراسة في العام الماضي وبإمكانه مواصلة دراسته في حال تيسرت الحالة المادية لأسرته، داعياً الأطفال من أقرانه بعدم إضاعة فرصة التعليم من أيديهم، وأن يكدوا ويجتهدوا من أجل استكمال دراستهم، وقال: ليس من العيب أن يعمل الإنسان لإعالة أسرته، لكن يجب ألا يتعارض هذا العمل مع التعليم والعلم الذي هو أسمى شيء في الوجود، داعياَ أولياء الأمور إلى القيام بدورهم وعدم ترك أولادهم عرضة لتنهشهم الشوارع مقابل فتات من النقود التي لا تسمن ولا تغني من جوع.. رسالة وجهها أحمد إلى أولياء الأمور، فهل يلتقط الآباء هذه الرسالة ؟
تحول الأدوار
أما أولياء الأمور فهم يعزون ازدياد ظاهرة عمالة الأطفال إلى تردي الوضع الاقتصادي وعدم توفر عمل للآباء، ويرون أن الضائقة الاقتصادية التي يمر بها المواطنون تدفع بالأطفال إلى أن يحلوا محل الكبار، وُيقر الآباء أن هذه الظاهرة خطيرة على النشء، لكن ما يزيد من انتشارها أن الكبار باتوا لا يجدون عمل يعملون به في ظل انتشار البطالة واستفحالها في المجتمع، مما يدفع بالأبناء إلى لعب دور الآباء وتحمل المسؤولية مبكراً من خلال النزول إلى سوق العمل، فلم يجدوا أمامهم سوى البيع في الطرقات بعد أن أغلقت الورش والمصانع أبوابها.. أبو محمود في الخمسين من عمره عزا وجود ظاهرة عمالة الأطفال إلى تفشي البطالة في أوساط المواطنين، حيث تحولت الأدوار داخل الأسرة، وبدلاً من قيام الأب بدوره في الإنفاق على أسرته أصبح الابن يقوم بهذا الدور نتيجة عدم توفر فرص العمل، مما دفع بالأطفال إلى البحث عن عمل في سن مبكرة، ومقابل أجور ضئيلة جداً، ومنهم من راح يبيع في الشوارع بعض الحاجيات لعلها تدخل عليه بضعة نقود، وبالطبع هذا سيكون على حساب تعليمهم وتربيتهم وتنشئتهم التنشئة الصحيحة، فبدلاً من تفكير الطفل في الدراسة والتعليم، أصبح جل اهتمامه في العمل واللهث وراء الفتات من الأموا





















































